الحلول و الأتحاد (ديوان الحلاج)

اذهب الى الأسفل

الحلول و الأتحاد (ديوان الحلاج)

مُساهمة من طرف علاء العطواني في الأحد ديسمبر 20, 2009 6:39 am


إلى من حلَّق في سماء الإنعتاق

إلى من ثار على الكذب الممنهج

إلى من أحب الله

أقدم لكم أثمن جوهرة مقتطفات من ديوان الحلاج

(1)


و أيّ أرض تخلو منك حتّى
تعالوا يطلبونك في السمـاء
تراهم ينظرون إليك جهـراً

وهم لا يبصرون من العماء



***

(2)


إلى كم أنت في بحر الخطايــا
تبارز من يراك و لا تـــراه
وسمتـُك سمت ذي ورع ٍتـِقّي ٍ
و فعْلك فعل متـّبع هـــواه
فيـا من بات يخلو بالمعاصـي
وعين الله شــاهدة تـــراه
أتطمع أن تنــال العفو ممّــا
عصمتَ و أنت لم تطلب رضاه
فـَتـُبْ قبل الممات وقبل يـوم
يلاقي العبد ما كسـبت يــداه
أتفرح بالذنـوب والخطـايــا
و تنسـاه و لا أحد ســـواه



***

(3)


كانـت لقلبي أهواءٌ مفرّقــة
فاستجمعَتْ مـُذْ راءَتـْك العين أهوائي
فصار يحسدني من كنت احسده
وصرتُ مولى الورى مُذْ صرتَ مولائي
ما لامني فيك أحبابي و أعدائي
إلّـا لغفلتهم عن عظـم بلوائــــي
تركتُ للناس دنياهم و دينهـم
شغلاً بحبـّك يا ديني و دنيائــــي
أشعلتَ في كبدي نارين واحدة
بين الضلوع و أخرى بين أحشائــي




***










(4)


إذا دهمَتـْك خيول البعـــاد
ونادى الاياس بقطع الرجـا
فخُذْ في شمالك ترس الخضوع
و شـُدّ اليمين بسيف البكـا
و نَـفْسَـك نَفْسَك كُنْ خائفـاً
على حذر من كمين الجفـا
فإن جاء الهجر في ظلمـــة
فسِرْ في مشاعل نور لصفا
فقـُلْ للحبيب ترى ذلـّــتي
فجُدْ لي بعفوك قبل اللقــا
فـَوَ الحُبِّ لا تنثنِي راجعــاً
عن الحِبِّ إلّا بِعَوْض ِالمنـا




***

(5)


سبحان من اظهر ناسوتـُهُ

سـّر سنا لاهوتِه الثاقـب
ثم بـدا في خلقه ظاهـراً

في صورة الآكل و الشارب
حتـّى لقد عَايـَنَهُ خَلْقـُه

كلحْظِة الحاجب بالحاجـب




***

(6)


كتبتُ ولم أكـُتبْ إليك و إنـّما
كتبتُ على روحي بغير كتابِ
و ذلك أنّ الروح لا فرق بينها
و بين مُحِبـيِّها بِفَصْلِ خطابِ
و كلّ كتابٍ صادر منك وارد
إليك بلا ردّ الجواب جـواب




***

(7)


أُريدُك لا أريدك للثواب
و لكنـّي أريـدك للعقـاب
فكلّ مآربي قد نِلْتُ منها
سوى ملذوذِ وجدي بالعَذَاب



***





([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


كَفَى حَزَناً أنّي أُناديـك دائمـــا
كأنـّي بعيدٌ أو كأنـّك غائب
و أَطْلُبُ منك الفضل من غير رغبةٍ
فلم أر قبلي زاهدا فيك راغب




***

(9)


طَلَعَتْ شمس من أحبّ بلَيّلٍ فـ
ـاستنارت فما عليها من غروب
عن شمس النهار تطلع باليلـ
ـلِ وشمس القلوب ليس تغيـب



***

(10)



رأَيتُ ربّي بعين قلبِ
فقلتُ من أنت قال أنت
فليس للأين منك أينٌ
و ليس أين بحيثُ أنت
و ليس للوهم منك وهمٌ
فيعلم الوهم أين أنت
أنت الذي حُزْتَ كل أين
بنحو لا أينَ فأينَ أنت
و في فنائي فنا فنائي
و في فنائي وجدت أنت

avatar
علاء العطواني

عدد المساهمات : 127
تاريخ التسجيل : 08/07/2009
العمر : 35
الموقع : السويداء

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحلول و الأتحاد (ديوان الحلاج)

مُساهمة من طرف علاء العطواني في الثلاثاء ديسمبر 22, 2009 1:53 am



(11)



لي حبيبٌ أزور في الخلـوات
حاضر غائب عن اللحظات
ما تراني أصغي إليه بسمــع ٍ
كي أعي ما يقول من كلمات
كلمات من غير شكل ولا نطق

و لا مثل نغمة الأصــوات
فكأنّـي مخاطب كنت إيــًّاه
على خاطري بذاتي لذاتــي
حاضـر غائب قريب بعيــدٌ
وهو لم تحوه رسوم الصفات
هو أدل من الضمير إلى الوهم
و أخفى من لائح الخطـرات



***


(12)



سرّ السرائر مَطْــوِيٌّ بـِاثـْبَات ِ
في جانب الأُفْق ِمن نور بـِطيَّات
فكيف والكيف معروف بظاهــره
فالغيب باطنه للذاتِ بالـــذات
تـَاهَ الخلائقُ في عمياءَ مظلمــةٍ
قصدا و لم يعرفوا غير الإشارات
بالظنّ و الوهم نحو الحقّ مطلبهـم
نحوَ الهواء يناجون السمــاوات
و الــربّ بينهم في كـل منقـلب
مُحِلَّ حالاتهم في كل ساعــات
و ما خلوا منه طرف عين لو علموا
و ما خلا منهم في كل أوقــات





***

(13)



فما لي بُعْدٌ بَعْدَ بُعْدِكَ بَعْدَمــــــا
تـَيَقـَّنْتُ أنّ القرب والبُعد واحد
وإنّي وإن أُهْجِرتُ فـَالهَجْرُ صاحبـي
وكيف يصحّ الهجر والحُبّ واجد
لك الحمد في التوفيق في محض ِخالصٍ
لعبدٍ زكـّي ٍما لغيرك ساجــد




***

(14)


لا تـَلمنّي فاللوم منـّي بعيـد
وأَجِرْ سيـّدي فإنـّي وحيد
إنّ في الوعد وَعْدك الحقّ حقاً
إنّ في البدء بدء أمري شديد
مَن أراد الكتاب هذا خطابـي
فاقرؤُا وأعلموا بأنّي شهيـد

***

(15) و (16)


قد تصبّرتُ و هل يصـ
ـبرُ قلبي عــن فؤادي
مازجَتْ روحُك روحي
في دنـّوٍ وبعــادي
فأنا أنت كمــا أنـّ
ـك أنـّـي و مـــرادي










أنتم ملكتم فؤادي

فهِمْت في كلّ وادي
ودقّ على فؤادي
فقد عدمت رقادي
أنا غريبا وحيدا
بكم يطول إِنفرادي



***

(17)



حقيقة الحقّ مُسْتـنِـيَر
صارخه بالنبا خبيــر
حقيقة الحقّ ِقد تجلـَّتْ
مَطْلب من رامها عسير



***

(18)


أنت المُوَلـِّهُ لي لا الذكر ولَّهنـي
حاشا لقلبي أَنْ يَعْلَق به ذِكَـرى
الذكر واسطةٌ تـُخْفِيك عن نظري
إذا توشـَّحَهُ من خاطري فكري



***

(19)


مواجِيدُ حَقّ ٍأَوْجَدَ الحـــقُّ كـُلَّها
و إِنْ عجزَتْ عنْها فهوم الاكابر
وما الوجد إلا خطرة ثم نظـــرة
تـُنَشـّي لهيبا بين تلك السرائر
إذا سكن الحقُّ السريرةَ ضُوعفـتْ

ثلاثة أحوال لأهل البصائـــر
فحالٌ تـُبيدُ السرَّ عن كنْه ِوجِــدِه

وتـُحْضِرُهُ بالوجد في حال حائر
و حالٌ به زُمَّتْ قوى السرّ فآنـْثنَتْ
إلى مُنـْظِرِ أفناه عن كلّ ناظر



***

(20)




الاحتمال الأول

إذا بلغ الصبُّ الكمال من الفَتَى
ويذهل عن وصل الحبيب من السُّكر
فيشهد صدْقاً حيث أشهده الهوى
بأنّ صلاة العاشقين من الكفـــر




الاحتمال الثاني

إذا بلغ الصبُّ الكمال من الهوى
وغاب عن المذكور في سطوة الذكر
فشاهد حقـّاً حين يشهده الهوى
بأنّ صلاة العارفين من الكفـــر
avatar
علاء العطواني

عدد المساهمات : 127
تاريخ التسجيل : 08/07/2009
العمر : 35
الموقع : السويداء

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحلول و الأتحاد (ديوان الحلاج)

مُساهمة من طرف د: طارق نايف الحجار في الأربعاء ديسمبر 23, 2009 2:53 am

شكرأ أخ علاء
أريد أن أضبف يعض الشيء بعد أذنك :الحلاج ..أحد مشاهير الصوفية الكبار، رائد القول بالحلول والاتحاد، و هو ، الحسين بن منصور بن محمى الملقب بالحلاج، ويعتبر من أكثر الرجال الذين اختلف في أمرهم السابقون، فيعض العلماء والفقهاء وحتى الصوفية كفروه و أتهموه بالزندقة و بالسحر والشعوذة وقلة من الناس أتبعوا مذهبه....لا علينا فعنده الكثير من الأفكار الفلسفية و الشعر الذي يستحق وقفة ...و يستحق التفكير فيه ...و الأيمان بالقلوب يصعب على الأنسان معرفة ذلك ..و لهذا الأنسان لا يملك الحق ليكفر سين من الناس .. أو أن يتهمه بالزندقة ..فلكل أنسان سر و لا يعلمه إلا خالقه ...و أضيف قليل من أشعاره المميزة :
5 – حريفش مكّي: قصة الحلاّج

الخمرُ دِنّي ودِن الخمر ريحانـي ومجلس الذكر تسبيحي وعيدانـي
ما يشرب الخمر إلّا من يكن بَطَلٌ ويطلق النوم لم تغمض له أجفاني
طلّقتُ نومي ولم اسلا حلاوتـه حتّى بقي جفن عيني ساهراً فاني
أنا الحسين أنا الحلّاج يا فقَـراء ذوبّتُ سندانَهم من عظم برهـاني
أنا الذي شاع ذكري بالملا الأعلى حلجتُ قطني بتقـواي وإيمـاني
الباز الأشهبْ أتى نحوي صافحني والأولياء أتت مـن أرض جيلانِ
شربت من خمرة عن بكرة مُزِجَت شِبه العروس انجلت في وسط بستانِ
ابن الرفاعي رقا وقتاً بها وعلا وابن أدهم سيّبْ مُلكـه الفـانـي
افتوا علّي وقالوا قد طغى و بغى حاشا من البغي لكن صرتُ ربّانـي
طَلْع المؤذّنْ يوذّنْ قلت ما حكيتْ انّي سمعت لديِك العرش بـآذاني
من خاض بحر الهوى من غير معرفة يبلعه الحوتُ يبقى يـونس الثانـي
من خاض بحر الهوى يُخْرِجُ جواهرها ألا ينادي عليه يا بطّـال كسلاني
من باع دُرّاً إلى الفحام ضَـيَّـعْهُ الدر ينباعُ بالقسطاس يا أخواني
لا تَخْدَعَنَّ قليل الأصـل تظّـلمه وأغلـظْ عليـه طوعـاً بإذعـان
أنّ الحديدَ تـذيب النـار قـوّتـه و لو سكبتَ عليه البحـر ما لانِ
يا طالب النصرَ من أعداك مُتْ كَمداً كطالب الشُهْـدَ من أنياب ثعبانِ
يا قـارئ العلم بيـن الجاهلين خَطـأ كواقد الشمع في قاعات عميان
يا واضع السرّ مع مـن ليس يكْتمـه كواضع الريح في أكمام عريانِ
من باح بالسرّ كـان القتـل شيمته بين الرجال ويُضحى اليوم خجلانِ
شدّوا وثـاقي وقـالوا اقتلونّ لــه حلّاج حلّاج أنت في البلدْ زانـي
واللهِ واللهِ والـرحـمن خـالقنــا لولا يقولوا دعـا الحلاج بهتـانِ
أصيح فيهم كما صاح الفَتَى البَـدَوي وأهدم بغداد ما خلا لـهـا اركـانِ
لكن سمعـت رجـال الله قـائـلـهْ فمُتْ شهيداً كما ماتْ ابـن عفـانِ
والخضـر واقـفْ قبالي لا يكلّمـني والأربعين يقولـوا هكـذا كـانـي
حتّى أتى القطب والأقطاب تـتبعه ثلاث مائةْ وهـم يتلـون قـرآنـي
أنا مكتَّفْ وسيف الشـرع يلفحْنـي سبعين مرّةْ بـأذن الله مـا ذانـي
صرختُ بالسيف قال السيف ألفْ نعمْ لبّيك لبّيك يا حـلاجُ يـا دانـي
و هـذه قصّة الحلّاج قـد فـرِغَـتْ هـم أحرقـوه وكـانوا الكل عميانِ
بعـد الصلاة علـى المختار سيّدِنـا خير البريّةْ بُعثْ مـن نسْـل عدنانِ
والمسلمين عليهـم دائمـاً ابَــداً منّي سلامٌ فـهمْ أهلي و جيرانـي

مع أطيب الأمنيات
avatar
د: طارق نايف الحجار
حكيم المنتدى
حكيم المنتدى

عدد المساهمات : 511
تاريخ التسجيل : 08/05/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحلول و الأتحاد (ديوان الحلاج)

مُساهمة من طرف محمود زهرة في الأربعاء ديسمبر 23, 2009 3:33 am

الاخ علاء .د طارق

اشكركما على الكلمات الجميلة

فقط احب ان اعلق على حسين بن منصور الحلاج وفلسفته

على رغم ان الالحاد من المفاهيم الجديدة والعصرية الا ان الحلاج يعتبر من مؤسسي هذا الفكر ويعتبره الملحدون المثقفون الاب الروحي لهم

من المعروف ان الحلاج حوكم بتهمة الزندقة وحكم بالاعدام صلبا في العصر العباسي في بداية القرن الرابع الهجري

_______________________________________________
اذا لم يكن هناك شيء يستحق ان تموت من اجله فليس هناك شيء يستحق ان تعيش من اجله

محمود زهرة


عدد المساهمات : 574
تاريخ التسجيل : 21/05/2009
العمر : 46

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحلول و الأتحاد (ديوان الحلاج)

مُساهمة من طرف علاء العطواني في الخميس ديسمبر 24, 2009 5:53 am

أشكرك تفاعلك المفيد د.طارق لقد أغنيت الموضوع
تقبل تحياتي
avatar
علاء العطواني

عدد المساهمات : 127
تاريخ التسجيل : 08/07/2009
العمر : 35
الموقع : السويداء

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحلول و الأتحاد (ديوان الحلاج)

مُساهمة من طرف علاء العطواني في الخميس ديسمبر 24, 2009 6:13 am

محمود زهرة كتب:الاخ علاء .د طارق

اشكركما على الكلمات الجميلة

فقط احب ان اعلق على حسين بن منصور الحلاج وفلسفته

على رغم ان الالحاد من المفاهيم الجديدة والعصرية الا ان الحلاج يعتبر من مؤسسي هذا الفكر ويعتبره الملحدون المثقفون الاب الروحي لهم

من المعروف ان الحلاج حوكم بتهمة الزندقة وحكم بالاعدام صلبا في العصر العباسي في بداية القرن الرابع الهجري

أشكرك د.محمود على مرورك
اسمح لي أن أعارضك الرأي في قولك بإلحاد الحلاج إذا كان معنى كلمة الإلحاد هو عدم الإيمان بأي إله
بغض النظر عن ملابسات صلبه و تقطيع يديه و رجليه و جلده و قطع رأسه ثم إحراق جثته(بحسب أحد المصادر)
فلسنا نهائيا في معرض تكفير أحد لأننا أساسا مشكوك في إيماننا
وسأورد إليكم المقال التالي عله يوضح لنا ما حجب عنا
avatar
علاء العطواني

عدد المساهمات : 127
تاريخ التسجيل : 08/07/2009
العمر : 35
الموقع : السويداء

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحلول و الأتحاد (ديوان الحلاج)

مُساهمة من طرف علاء العطواني في الخميس ديسمبر 24, 2009 6:22 am


خطرات وأفكار عن "الحلاّج"
بقلم: أنا ماري شيمل
"وما فعلتُ، ستفعلُه أنت أيضاً – حذارِ!
ستحمل البعث للميتين – حذارِ!"
بهذه الكلمات يجعل الشاعر والفيلسوف الهندي المسلم محمد إقبال (1877-1938) الحلاج يتكلم في ملحمته الفارسية الخيالية "جاويدنامه"، أي "كتاب الخلود"، فيصوره بذلك كمفكر مبدع، حاول بث الحياة في معاصريه الموتى روحياً وفكرياً، أي حاول منحهم إيماناً حياً جديداً، وتحريرهم من التقليد واجترار القواعد المتوارثة الخالية من كل روح. إنها لظاهرة تبعث على الاهتمام أن يحتل الحلاج – الناقد المناوىء بين عدد ضئيل من أمثاله في تاريخ الفكر الإسلامي – مكانة مرموقة بين النخبة الفكرية في صفوف المسلمين في العقود الأخيرة.
إن هذا المتصوف، الذي أُعدم بأبشع صورة في بغداد عام 922، قد أُسيء فهمه مراراً. فقد فُهمت كلمته: "أنا الحق"، أي "أنا الحقيقة المطلقة"، أي "الله"، فُهمت كتعبير عن تعالٍ متعاظمٍ للذات، بحيث أثار بذلك الشكوك في إيمانه بحلول الذات الإلهية في النفس البشرية. وقد اعتبره بعض معاصريه ساحراً خطراً، بينما استاء خصومه السياسيون من دوره في خطة مرسومة لإصلاح الضرائب، ورأى رجال الدين في فكرته حول إسقاط الفرائض تعبيراً عن كفره ودليلا على إلحاده، رغم أنه ألّف في عمله "كتاب الطواسين" أجمل أنشودة يمتدح فيها الرسول محمد عليه الصلاة والسلام. غير أن كبار المتصوفين في جميع العصور قد أبدوا إعجابهم الشديد بحبه المطلق لله عز وجل. ونجد في أدب العصر الوسيط خطاً يزداد وضوحاً في العصر الحديث: إذ يُعتبر الحلاج ثائراً في وجه ضيق الأفق الفكري لدى المتحجرين من رجال الدين، لأنه شهد خبرة الاتصال بالله، تلك التجربة الروحية الحية – كما فعل الإمام الغزالي فيما بعد، عندما تخلى عن وظيفته التعليمية في المدرسة النظامية ببغداد، لأنه وجد أن زملاءه كانوا منغمسين في نزاعات وخلافات لا طائل من ورائها حول مسائل فقهية سطحية، دون أن يتحلّوا بذرّة من الإيمان الحي، أو يمتلكوا بارقة من الاتصال الحي بالذات الإلهية.
وفي تطور يثير الاهتمام يظهر الحلاج في شعر إيران وشبه القارة الهندية لفترة ما بعد العصر الوسيط كإنسان رفض السكولاستية المتحجرة بسبب تجربة اتصاله المباشر بالله عز وجل وحبه الخالص له، مما أدى الى قتله. ولكن أليس من الصحيح أنه عندما يرى الإنسان الحقيقة ويجدها، يكون مستعدا للموت في سبيلها؟ وقد قال الشاعر الهندي ميرزا أسد الله غالب (1797-1869) في بيت شعري فارسي مشهور ما معناه:
"السر الكامن في القلب – لن يكون موعظة جوفاء!
قد تُفصح عنه على المشنقة؛ أما على المنبر، فلا!"
وهذا يعني أن الشاهد الحقيقي لجلالة الله يجب أن يصبح شهيداً، وأن يدفع حياته ثمناً لأعلى تجربة وهي الاتصال بالحقيقة.
وفي الأدب الأُردي والتركي الحديث يُصوّر الحلاج أحياناً كثائر ضد المجتمع القائم، كما أنه يظهر كذلك في الشعر العربي المعاصر كممثل للأبعاد العميقة للإسلام، كمكافح من أجل العدالة والفهم. وقد سعى صلاح عبد الصبور في "مأساة الحلاج" الى إظهار الطابع الاجتماعي لرسالة الحلاج، وأعطى تفسيراً دقيقاً لضرورة موته: إذ كان موته أمراً محتوماً – لكي يعود أتباعه فيجدوا كلماته في أثلام الحقول، حيث تكمن خفية عن العيون، لكي تحمل على الرياح، التي تهب فوق الأمواج – فما الذي كان سيحدث لرسالته المنادية بحرية الفكر، لو لم يمت مشنوقاً؟
وقد أكد أدونيس في أعماله الأولى على حداثة لغة الحلاج، وقد كرّس هو وعبد الوهاب البياتي لهذا المتصوف الشهيد شعراً رثائياً زاخرا بالأحاسيس العميقة، وإن كان يتسم بالصعوبة في فك طلاسمه.
ومع ذلك فإنه يبدو لي أن إقبال أكثر إصابة للحقيقة من أغلب المحاولات الأخرى في فهمه لنواة حياة هذا المتصوف الوسيطي العاشق لله ومدى تأثيره. فقد اعترف بالحلاج – الذي يُحتفى به منذ عدة قرون في الشعر الشعبي الهندي الإسلامي كعاشق كبير لله – كمصلح إسلامي. وقد كانت قناعة إقبال ثابتة في أن "عالم القرآن" ينفتح لكل إنسان وفي كل عصر بصورة جديدة، وأن الإسلام ليس دينا متحجراً بعيدا عن الواقع، بل إن المفكرين والصوفيين الكبار قد تغلغلوا الى طبقات بعيدة الأعماق من الفهم، بحيث يصبحون بذلك أمثلة عليا يقتدي بها الإنسان العصري أيضاً. و في نظره كان الحلاج، الذي فهم أعماق الوحي الإلهي بصورة أفضل مما فعل كبار الفقهاء ورجال الدين الذين يعجزون عن التحليق الى الذرى الفكرية، كما يقول هذا المفكر الإسلامي الهندي بسخرية، لأن كلاً منهم يجثم "كقارون على المعاجم العربية"، أي أنه لا يستطيع التحليق بسبب عبء معارفه اللغوية الفقهية، بل يُضغط ميتاً تحت الغبار، كما غرق قارون تحت عبء كنوزه. لقد كان الحلاج في نظر إقبال مناضلا طليعياً في سبيل الإيمان الحي، وكان بهذه الصفة مثلا أعلى للإنسان المعاصر.


avatar
علاء العطواني

عدد المساهمات : 127
تاريخ التسجيل : 08/07/2009
العمر : 35
الموقع : السويداء

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى